القاضي التنوخي

355

الفرج بعد الشدة

حتى ترى راعية لجيداء صفتها كذا وكذا ، فأعلمها خبري ، وواعدها بوعد . فمضيت وفعلت ما أمرني به ، ولقيت الراعية فخاطبتها ، فمضت إلى جيداء ، وعادت إليّ ، فقالت : قل له : موعدك الليلة عند الشجيرات . فلمّا كان الوقت الذي وعدتنا فيه ، إذا بجيداء قد أقبلت ، فوثب الأشتر إليها ، فقبّل بين عينيها . فقمت مولّيا عنهما ، فقالا : نقسم عليك إلّا ما رجعت ، فو اللّه ، ما بيننا ما نستره عنك ، فرجعت ، وجلسنا نتحدّث . فقال لها : يا جيداء ، أما فيك حيلة لنتعلّل الليلة ؟ فقالت : لا واللّه ، إلّا أن نعود إلى ما تعرف من البلاء والشدّة . فقال : ما من ذلك بدّ ، ولو وقعت السماء على الأرض . فقالت : هل في صاحبك هذا من خير ؟ فقلت : إي واللّه . فخلعت ثيابها ، ودفعتها إليّ ، وقالت : ألبسها ، وأعطني ثيابك ، ففعلت . فقالت : إذهب إلى بيتي ، فإنّ زوجي سيأتيك بعد العتمة ، ويطلب منك القدح ليحلب فيه الإبل ، فلا تدفعه إليه من يدك ، فهذا فعلي به ، ودعه بين يديه ، فإنّه سيذهب ويحلب ، ثم يأتيك به ملآن لبنا ، ويقول : هاك غبوقك « 5 » ، فلا تأخذه منه ، حتى تطيل نكدك « 6 » عليه ، ثم خذه ، أودعه حتى يضعه هو ، ثم لست تراه حتى تصبح . قال : فذهبت ، وفعلت ما أمرتني به ، وجاءني بالقدح ، فلم آخذه منه ،

--> ( 5 ) الغبوق : ما يشرب في العشيّ ، وكان السيد خيري الهنداوي ، الشاعر العراقي المشهور ، رحمة اللّه عليه ، إذا انتشى ، يكثر الترنّم بهذا البيت : يضاع فينشد قعب الغبوق * وقلبي يضاع فلا ينشد ( 6 ) النكد : الشدّة والعسر .